طالبُ العلم يناقش في أمور متنازعٍ عليها منذ بدئها، كخبر الواحد والاحتجاج به، وعمل أهل المدينة، ومحنة خلق القرآن وغيرها. لكن هناك ناسًا لهم مزاجٌ “دعوي” أو “حركي” ينفرون من خوض هذه المسائل؛ يحركهم بيتٌ شعري، أو مقولةٌ أدبية، أو خبرٌ تاريخي فيه طرفةٌ أو موعظة، وينكرون على هؤلاء الذين يتقفرون مسائل العلم وتاريخ الأفكار وتطورها، ويرون أنهم يشقون الصف المسلم — يا للهول — وأن عليهم أن يفرغوا جهودهم للرد على الصهاينة والبروتستانت. وهذا الصنف ذو المزاج الدعوي والحركي في غفلةٍ منكرة عن أن ما ينهى عنه هو بالذات سبب نشوء العلوم الإسلامية وتنوعها وتعمقها، وأن هذا السبب كان مرافقًا للأمة في جميع انتصاراتها ونكباتها. لكن الشعور بالتعبئة يغلب على أولئك حتى ليتمنون لو أن تلك العلوم تتوقف تمامًا، ويستحيل الناس جميعًا إلى جنود في معركتهم التي يرون أنها وحدها التدين كله والجهد كله.
غير أن هذا التصور يقوم في حقيقته على فهمٍ مضطرب لطبيعة العلم وتاريخ نشأته في الحضارة الإسلامية. فإن العلوم لا تنمو في جوٍّ من التلقين الهادئ الخالي من السؤال، بل تتولد غالبًا من مواضع الإشكال والنزاع. فالمسائل التي تبدو لبعض الناس اليوم ضربًا من الترف الذهني كانت في تاريخ المسلمين من أعظم محركات الإنتاج العلمي؛ إذ إن الجدل حول حجية خبر الواحد، أو حول دلالة الألفاظ، أو حول طبيعة الصفات الإلهية، لم يكن مجرد خصومات لفظية، بل كان بحثًا في مناهج الاستدلال، وضبطًا لطرق فهم النصوص، وتأسيسًا لقواعد النظر.
ولهذا نشأت علوم كاملة من رحم تلك المناقشات: فبسببها تبلور علم أصول الفقه، وتمايزت مناهج المحدثين في نقد الأخبار، ونضج علم الكلام في دفاعه عن أصول الاعتقاد. ولم يكن الاشتغال بهذه المسائل يومًا خروجًا على وحدة الأمة، بل كان أحد مظاهر حيويتها الفكرية؛ لأن الأمة التي لا تسائل أدلتها ولا تمحص مناهجها إنما تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة.
إن الذي يضيق صدره بهذه المباحث يظن أن العلم ينبغي أن يكون وعظًا مباشرًا أو خطابًا تعبويًا، بينما طبيعة العلم غير ذلك. فالعلم بطبيعته بطيء، دقيق، كثير الالتفات إلى الفروق، مشغول بتحرير الاصطلاحات، وتفكيك الأقوال، وردّ كل مسألة إلى أصولها التاريخية والمنهجية. وهذه الطريقة قد تبدو لمن لم يعتدها بعيدةً عن هموم الواقع، لكنها في الحقيقة الشرط الضروري لرسوخ المعرفة.
ثم إن المفارقة أن الذين يطالبون طلاب العلم بترك هذه المسالك بدعوى التفرغ لمواجهة الخصوم يغفلون عن سؤالٍ بديهي: بأي أدوات معرفية سيتم هذا الرد؟ فإن الرد العلمي لا يقوم على الحماسة وحدها، ولا على الاستشهاد بالأبيات والطرائف، بل يقوم على عقلٍ تدرب طويلًا على تحليل الأدلة، وفهم تاريخ الأفكار، والتمييز بين مراتب الحجة.
والأمة في واقع الأمر لا تحتاج إلى أن يتحول جميع أبنائها إلى نمطٍ واحد من العمل؛ فكما تحتاج إلى الداعية والخطيب وصاحب السياسة، تحتاج أيضًا إلى الباحث الصبور الذي يغوص في أعماق المسائل ولو بدا عمله بعيدًا عن صخب اللحظة. فهذه الأعمال الهادئة التي تجري في زوايا المكتبات هي التي تصنع، على المدى الطويل، البنية الفكرية التي تقوم عليها نهضة الأمم.
ولذلك فإن أعظم ما ينبغي الحذر منه هو اختزال التدين في حالة تعبئة دائمة، كأن الأمة لا وظيفة لها إلا أن تقف في خندقٍ واحد طوال التاريخ. فالحضارات لا تبنى بالاستنفار المستمر، بل بتكامل الأدوار وتنوع الجهود. وإذا ساد الظن بأن كل اشتغال علمي لا يخدم المعركة الآنية هو ضرب من التفريق أو الترف، فإن النتيجة الحتمية لذلك هي تجفيف منابع العلم، وحينئذٍ لا يبقى في الميدان إلا خطاب حماسي يعلو صوته زمنًا، ثم يذبل لأنه لم يقم على أساس معرفي متين.